الصالحي الشامي

417

سبل الهدى والرشاد

إذا أبطل الكهانة الذي تصدق مرة وتكذب عشرا ، ثم ليجتثها من أصلها برجم الشهب ورسل النجوم ، وجاء من القرآن من الاخبار عن القرون السالفة ، عن الأنبياء والأمم البائدة من الحوادث الماضية ما ينجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه ، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا ، وأشهر في الخطابة رجالا ، وأكثر في السجع والشعر سجالا ، وأوسع في اللغة والغريب مقالا ، بلغتهم التي بها يتحاورون ، ومنازعهم التي عنها يناضلون صارخين بها في كل حين ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس أشرافهم ورؤسائهم أجمعين ، فتحداهم أولا بكل القرآن ، ثم تحداهم بعشر سور ، فقال تعالى : ( أم يقولون : افتراه ) ( يونس : 38 ) أي بل يقولون اختلقه ، والهمزة إشارة لقولهم ، أو تقرير لالزام الحجة عليهم ، وهما متقاربان ، لان مالهما واحد وهو إبطال ولهم وتثبيت التقرير بما يؤذن به قل على سبيل التهكم عليهم ، والتقريع لهم ، والمناداة على كمال عجزهم ، وإلزام الحجة عليهم ، إن كان الامر كما زعمتم على وجه الافتراء بعشر سور مثله في البيان وحسن النظم مفتريات مختلفات من عند أنفسكم ، " وادعوا من استطعتم من دون الله " أي استعينوا بغير الله ممن يمكن استعانتكم به على الاتيان بذلك ، لأنه تعالى هو القادر عليه وحده " إن كنتم صادقين " في أنه افتراه ، فعجزوا عن ذلك فتحداهم بسورة واحدة منها ، كما قر عليهم ، فقال الله - عز وجل - : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) ( البقرة / 23 ) أي مما ثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم ( وادعوا شهداءكم من دون الله ) ( البقرة / 23 ) أي استظهروا لمعارضته من حضركم ، أو أرجوا معونة غير الله تعالى ، فإنه هو القادر عليه إن كنتم صادقين في أنا لم ننزله عليه ، فلما عجزوا عن معارضته والاتيان بسورة تشهد عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن ، وكانوا أحرص شئ على إخفاء نوره ، فلو كان في مقدرتهم معارضته ، لعدلوا إليها قطعا للحجة ، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يقرعهم أشد التقريع ، ويوبخهم غاية التوبيخ ، ويسفه أحلامهم ، ويحط أعلامهم ، ويشتت نظامهم ، ويذم آلهتهم ، ويستبيح أرضهم ، وديارهم ، وأموالهم ، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته ، محجمون عن مماثلته يخادعون أنفسهم بالتشغيب ، والتكذيب ، والاغراء بالافتراء ، كقولهم ( إن هذا إلا سحر يؤثر ) ( المدثر / 24 ) ( سحر مستمر ) ( القمر / 2 ) ( إفك افتراه ) ( الفرقان / 4 ) وأساطير الأولين والمباهتة ، والرضا بالدنية كقولهم ( قلوبنا غلق ) ( البقرة / 88 ) ( في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) ( فصلت / 5 ) ، لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه بخرافات وسواقط الكلم رافعين أصواتكم بها ، تشويشا على قارئه ، والادعاء مع العجز بقولهم : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) ( الأنفال / 31 ) وقاحة وفرحا وعنادا وإلا فما منعكم لو ساعدتهم الاستطاعة إن شاءوا ذلك أن تحداهم وقرعهم بالعجز ليفوزوا للغلبة فرحا بأنفسهم واستنكافهم أن يغلبوا فيها في باب البيان وقد قال تعالى ( ولن تفعلوا ) ( البقرة / 24 ) فما فعلوا ،